الانتخابات والعزوف السياسي في المجتمع المصري
الاثنين 24 أغسطس 2020 - 04:32 مساءً
الانتخابات والعزوف السياسي في المجتمع المصري دكتورة سارة عبد الخالق محرم .

د/ سارة عبدالخالق محرم دكتوراة في الفلسفة وعلم الجمال

الانتخابات والعزوف السياسي في المجتمع المصري
 
 
   فتح غياب الشباب عن المشاركة في انتخابات مجلس الشيوخ بمصر، باب التكهنات واسعًا حول الأسباب التي أدت إلى عزوف تلك الفئة، عن ”أهم مشهد سياسي في البلاد“ والذي يعتبر الأول بعد ثورتي 25 يناير2011 و30يونيو2013. وأكد ذلك نسبة المشاركة في الجولة الأولى من الانتخابات  المصرية. فغياب المصريين الكبير عن مراكز الاقتراع، وهو ما فسر على أنه نفور من العملية السياسية التي يحاول أن يقودها الرئيس عبد الفتاح السيسي فيما تظل الأسباب عديدة. وتباينت الآراء حول أسباب ذلك العزوف، ففي وقت أرجعها البعض إلى ”اهتزاز ثقة تلك الفئة بالحكومات المتعاقبة وفشلها بحقيق الإصلاح الاقتصادي، خصوصًا بتوفير فرص عمل جديدة“، اعتبر آخرون السبب هو ”عدم اهتمام الشباب في السياسة“.
هناك "جدل وتساؤلات حول الأسباب التى دفعت المواطنين للعزوف عن المشاركة ومخاصمة الصناديق الانتخابية، وتبنى الصمت"، في الوقت الذي اكتفى فيه الكثير من الشباب بالتغريد على تويتر أو التدوين على فيس بوك بسخرية من هذه الانتخابات. 
 ولكن بداية علينا أن نفرق بين مفهوم العزوف السياسي والعزوف عن الانتخابات:
إن "العزوف السياسي كمفهوم يختلف عن العزوف الانتخابي، بحيث أن كثيرين لا يميزون بينهما، ومن الخطأ الاعتقاد بأن المجتمع المصري و فئة الشباب بالأخص، لا يتابعون الشأن العام وغير مواكبين للأحداث السياسية أو أنهم عازفون عن المشاركة السياسية بمفهومها العام، بل بالعكس هناك اهتمام ومواكبة"،"لكن هناك ما يمكن أن نسميه بالاهتمام الحذر في ظل غياب شروط بناء ثقة بين المواطن ومؤسساته، وهو ما يجعل المواطنين يعزفون عن الإنتماء إلى الأحزاب السياسية، التصويت، الترشح في الانتخابات وغيرها من مظاهر المشاركة السياسية الرسمية". 
أسباب العزوف السياسي بالتأكيدإن مثل هذه الظواهر السياسية تحتاج إلى مقاربة علمية، مبينة على دراسات على عينات مستوعبة لكي نخرج بنتائج علمية، لكن في العموم يمكن القول إن الدراسات السابقة حول ظاهرة العزوف السياسي، تقول أن عزوف الشباب عن الانتخابات راجع إلى نسق من تأثيرات البيئة الاجتماعية والاقتصادية، والمعطيات الثقافية والسياسية المحيطة به، فضعف اندماج الشباب اجتماعيًا، وفقدانه الأمل في الانتخابات كآلية للتغيير، بالإضافة إلى ذلك الدور السلبي لكل من النظام التعليمي والمحيط الاجتماعي المتمثل في العائلة وزملاء الدراسة والعمل في تكريس ثقافة سلبية نحو المشاركة الانتخابية، كما يتأثر الشباب بسمة التدين التي تبينت أنها معيار ضروري في المفاضلة بين المترشحين وغيابها يؤدي بالكثير من الشباب إلى العزوف عن الانتخابات، وإلى جانب ذلك فإن الامتناع عن الانخراط في التنظيمات السياسية والاجتماعية يحدث فراغ ثقافي سياسي يساهم بشكل كبير في العزوف الانتخابي.
  خطورة العزوف السياسي تتمثل بالأساس في أنها تتناقض مع الديمقراطية، ذلك أن روح الديمقراطية هي المشاركة السياسية، وكلما توسعت نسبة المشاركة وتوسعت المكونات المنخرطة في العملية السياسية، كلما كانت روحها مشتعلة، وكلما تم إقصاء مكونات معينة عن الدخول في المجال السياسي، أو كانت العملية السياسية شكلية أو غير ذات مصداقية، إلا وكانت نسبة المشاركة والاهتمام بالعملية السياسية ضعيفا، وبلا شك الناس تشارك حين ترى أن هناك نفعًا يعود عليهم، والعكس يدفعهم للعزوف، لأن المواطن يطرح سؤال ما جدوى المشاركة في مسار يعيد إنتاج نفس الواقع.
من جهة أخرى، نجد أن خطورة العزوف تكمن في ترسيخ شعور العزلة السياسية لدى المواطن تجاه مؤسسات الدولة، وهو ما يعمق شعور الغربة أو الاغتراب السياسي، وفي هذه الحالة، وبدل أن يساهم المواطن بروح إيجابية في مسارات البناء الوطني، ينغلق على ذاته وينزوي بنفسه بعيدًا عن الأوراش الكبرى والاهتمامات الوطنية للدولة، وهذا بالضبط ما وقع في الانتخابات الحالية لمجلس الشيوخ، فالعزوف نتيجة طبيعية لوضع تكون فيه آلام الشعب وانتظاراته في واد، وحسابات المسؤولين ومقارباتهم في واد آخر، وعندما لا يتمثل الحكام مطالب المحكومين يفتح باب المستقبل  نحو المجهول، وتسوء أوضاع البلاد والعباد، وبدل الاستقرار يقع "الانفجار".
 ولكن كيف للدولة المصرية أن تحاصر العزوف السياسي؟
  من أجل تجاوز وضع اللامبالاة يجب بناء جسور الثقة بين المواطن والدولة، وتحقيق استقلالية القرار الحزبي عن مراكز تأثير السلطة، وضمان نزاهة العملية الانتخابية ودعم مسار البناء الديمقراطي، والتمثل الإيجابي لمنظومة حقوق الإنسان ومنها حق المواطنين في الاحتجاج السلمي دون خوف من اعتقال أو تعسف سلطة أو قضاء، وفي جملة أقول لتتحقق المشاركة الشعبية يجب أن يقتنع أبناء الشعب أن العمل السياسي يخدمهم وأن خيرات البلاد توزع بينهم بالعدل"، فمصر بحاجة لجيل جديد يؤمن بدوره في التغير.
 وأخيرًا إن سبيل تجاوز العزوف السياسي ينطلق من " تأسيس" السياسية على القواعد الصحيحة، أن تكون السياسية مدخلًا حقيقيا للتغيير، تغيير الواقع وتغيير السياسات، أن تكون الإرادة الشعبية هي التي تنتج المخرجات الانتخابية والسياسية وليس السلطة أو الإدارة، إذا تم احترام المضمون الديمقراطي والمنهجية السياسية وتفعيل مبدأ الدستور في ربط المسؤولية بالمحاسبة سيشعر المواطنون أن للسياسة معنى، لأن عوائدها ومخرجاتها تصب في مصالحهم، وأن عدم مشاركتهم سيكون له ضرر عليهم، كما يجب الذهاب  في  الديمقراطية لأبعد مدى وفق منظور تدريجي يشعر الناس أنهم يتقدمون ويرتقون من مكان إلى آخر.
 

تعليقات الفيس بوك